الشنقيطي

204

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

واحتج له المالكية بعدم ثبوت حديث ابن عمر المذكور « أحلت لنا ميتتان » الحديث ؛ لأن طرقه لا تخلو من ضعف في الإسناد ، أو وقف ، والأصل الاحتياج إلى الذكاة لعموم حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] ، وقال ابن كثير في تفسير آية المائدة . ما نصه وقد قال أبو عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعي : حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن ابن عمر مرفوعا قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أحل لنا ميتتان ودمان . فأما الميتتان فالسمك والجراد ، وأما الدمان : فالكبد والطحال : » ، وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة ، والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وهو ضعيف . قال الحافظ البيهقي : ورواه إسماعيل بن أبي إدريس عن أسامة ، وعبد اللّه وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر مرفوعا . قلت : وثلاثتهم كلهم ضعفاء ، ولكن بعضهم أصلح من بعض ، وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر فوقفه بعضهم عليه . قال الحافظ أبو زرعة الرازي : وهو أصح . ا ه من ابن كثير ، وهو دليل لما قاله المالكية ، واللّه تعالى أعلم . قال مقيده - عفا اللّه عنه - : لكن للمخالف أن يقول : إن الرواية الموقوفة على ابن عمر من طريق سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عنه صحيحة ، ولها حكم الرفع ؛ لأن قول الصحابي : أحل لنا ، أو حرم علينا له حكم الرفع ؛ لأنه من المعلوم أنهم لا يحل لهم ، ولا يحرم عليهم ، إلا النبي صلى اللّه عليه وسلم . كما تقرر في علوم الحديث ، وأشار النووي في [ شرح المهذب ] إلى أن الرواية الصحيحة الموقوفة على ابن عمر لها حكم الرفع ، كما ذكرنا وهو واضح ، وهو دليل لا لبس فيه على إباحة ميتة الجراد من غير زكاة . والمالكية قالوا : لم يصح الحديث مرفوعا ، وميتة الجراد داخلة في عموم قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ [ المائدة : 3 ] الآية ، وافتقار الجراد إلى الزكاة بما يموت به ، كقطع رأسه بنية الذكاة أو صلقه أو قليه . كذلك رواية أيضا عن الإمام أحمد نقلها عنه النووي في [ شرح مسلم ] [ وشرح المهذب ] ، واللّه تعالى أعلم . وأما الطير : فجميع أنواعه مباحة الأكل إلا أشياء منها اختلف فيها العلماء . فمن ذلك كل ذي مخلب من الطير يتقوى به ويصطاد : كالصقر والشاهين والبازي والعقاب والباشق ، ونحو ذلك . وجمهور العلماء على تحريم كل ذي مخلب من الطير كما قدمنا ، ودليلهم ثبوت النهي عنه في صحيح مسلم وغيره ، وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة . ومذهب مالك - رحمه اللّه - إباحة أكل ذي المخلب من الطير لعموم قوله تعالى :